محمود توفيق محمد سعد

25

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

شيوخه وتلاميذه : ليس يخفى أنّ العالم العامل إنّما هو من ورثة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وراثة تربية وتعليم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ( آل عمران : من الآية 79 ) وكلّ طالب علم نابه ماجد إنّما هو ثمرة جهد ناصح لشيخ أو شيوخ مخلصين في تعليمهم وتربيتهم ، وهذا يغري بأن يكون كلّ والد الحريص على أن يقيم ولده بين يدي شيخ يغرس في قلب تلميذه حب العلم النافع والعمل به ، واستعلاءه على كلّ متاع من متاع الحياة الدنيا ، فذلك أحق بالحرص على تحقيقه لولده من حرصه على أن يحقق له متاعا زائلا ، وجاها زائقا . كان سلفنا الصالح لا يلقون بأبنائهم بين يدي كل من ألقى بنفسه في ميدان التعليم ، فكم من مربّ هو أشد افتقارا إلى أن يربّى ، وكم من معلّم هو أشد افتقارا إلى من يعلمه ، ولا سيما في عصرنا هذا الذي أضحى غير قليل من المشتغلين بالتعليم هم الخطر العظيم على أخلاق الشبيبة . قد أضحى كثير من الآباء يلقون بأولادهم تحت أيدي أقوام علمانيين يتخذون مما يعرف بالتعليم الخاص للغات سبيلا إلى تنشئة أبناء الأمة تنشئة لا تتصل بكتاب اللّه عزّ وجلّ وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا ، يكررون على مسامعهم ما هو مناقض لصريح الكتاب والسنة دون أن يذكون لهم ما جاء في الكتاب والسنة مناقضا لتعاليمهم حتى لا يتحرج بعض أولئك الأبناء أو الآباء ، فنشأ في الأمة أبناء فإذا المنكر شرعا عندهم هو المعروف ، وإذا المعروف شرعا هو المنكر الذي ينفرون منه نفورهم من كل بغيض إليهم . وإذا ما بلغت أمّه إلى أن يستحيل فيها المنكر معروفا يسعى إليه حثيثا ويفتخر به ويحترم ولاة الأمر والمنتسبون إلى العلم وطلابه والدهماء أهله به ، ويعتقد العامّة أنّ ذلك من فتح اللّه سبحانه وتعالى على صاحبه وإكرامه له ، فقد اقتربت تلك الأمّة من شفا جرف هار قد ينهار بها في نار جهنّم ، واللّه لا يهدي القوم الظّالمين . وإنقاذ هذه الأمة حين ذاك يكون جدّ عسير ، ولكنّه غير متعذّر ، مما يفرض على علمائها المجاهدة والمصابرة ، والتّواصي بالحق والصبر والمرحمة . إنّ علينا - نحن الآباء - أن نحسن اختيار أماكن تعليم أبنائنا واختيار شيوخهم ، وان نعلمهم أنّ رسالة الشّيخ من رسالة النبيّ حسن النصيحة